المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأثير الأسم على الطفل


الحكيم جاهل
06-24-2007, 02:55 PM
تأثير الاسم على الانسان

الاسم القبيح :
من علل الشعور بالحقارة التي تبدأ من دور الطفولة ومن الممكن أن تكون سبباً لنشوء عقدة الحقارة والتعاسة : الاسم القبيح ، واللقب الكريه. إن الاسم الذي يضعه الوالدان للطفل يبقى معه إلى آخر لحظة من حياته ، فلو كان قبيحاً ومنكراً كان سبباً لإيذائه في كل آن ، ومعرضاً إياه لسخرية الأطفال والكبار واستهزائهم به.
يحب كل فرد أن يكون جميل الوجه ، حسن الهندام ، متزن الملامح ، نظيف الملابس ، حتى لو التقط مصور صورة جميلة له طبع منها ماءة نسخة أو تزيد ، ووزعها على جميع أصدقائه للتذكار... وبالعكس لو أخذت له صورة مشوشة لم يسمح بطبعها وليس ذلك فحسب ، بل انه يسعى لتحطيم الزجاجة السوداء ، كي يمحو هذا الأثر السيء تماماً...
وكذلك عندما يريد أن يطبع بطاقة شخصية فإنه يصرف مبلغاً من النقود في سبيل أن يكون الخط جميلاً ، والكليشة واضحة ، والورق صقيلاً الى غير ذلك من المحسنات... ثم يطبع على ذلك آلاف النسخ.
كل هذا يدلنا على أن الجمال من أهم عوامل المحبة ، وهو رمز السعادة والنجاح.

الإسم الجميل :
من المظاهر المهمة لدى كل انسان اسمه واسم عشيرته. فكما أن صورة كل شخص سبب لاستحضاره في اذهان الناس ، كذلك اسمه فإنه يحكي عن صاحبه ويعطي صورة عنه. وكما أن الإنسان يلتذ من صورته الجميلة ، ويتألم إن كانت قبيحة ، كذلك يستر من الاسم الجميل ويتأذى من الأسم القبيح له أو لعشيرته. في حين أن الصورة القبيحة يمكن تمزيقها ومحوها بكل سهولة أما تغيير الأسم واللقب فهو صعب جداً.
إن الذين يمتازون بأسماء جميلة أو ينتمون الى عشيرة ذات اسم جميل يفتخرون بذلك ويذكرونه بكل ارتياح وطلاقة دون شعور بالحقارة ، ولربما تفأل السامع وذكر بالمناسبة كلاماً يليق ويتلاءم مع جمال الأسم. ومثل ذلك نجده في القصة التالية :
فقد النبي محمّد صلّى الله عليه وآله أمه في ايام رضاعه ، ولم يقبل ثدي مرضعة قط ، وكان هذا مبعث حزن وألم في البيت الهاشمي... إلى أن جاءت حليمة السعدية فعرضت ثديها عليه فقبله وتكفلت برضاعه ، عندئذ عم البيت السرور والفرح الى اقصى حد فقال عبد المطلب مخاطباً إياها.
ـ من أين أنتِ ؟
قالت : امرأة من بني سعد.
قال : ما اسمك ؟
قالت : حليمة.
قال : بخ بخ ، خُلقان حسنتان... سعدٌ وحلم (1) .
أما الذين يحملون أسماء مستهجنة أو ينتمون الى عشيرة ذات نسبة قبيحة فطالما يأبون عن ذكر ذلك ، وإن التجأوا الى ذكره في مناسبة ما شعروا بالخجل والضعة. إنهم يسرّون كثيراً عندما يبدل اسمهم الى اسم حسن.
عندما نلقي نظره عابرة على الأسماء المتداولة في المجتمع بين المتجددين والمتحضرين ممن يعيش في القرى والمدن نجد فيها أسماء وألقاب قبيحة قد يؤدي ذكرها والتصريح بها في هذا المجلس المزدحم الى السأم والضجر بالنسبة الى البعض ، ولكني أذكر على سبيل التمثيل نموذجاً من أهل القرى والأرياف.
هناك بعض العوائل في الأرياف تسمى المولود الجديد باسم اليوم الذي ولد فيه كالجمعة والسبت. فإن بقي هذا الطفل الى آخر عمره في القرية يشتغل بالرعي فلا شيء عليه ، أما لو دخل المدرسة وهاجر الى المدينة ، ثم مارس الحياة الجامعية وحصل على شهادة علمية ونال مقاماً فإن ذلك الاسم القبيح يلازمه ويولد فيه عقدة الحقارة ، وكلما نادوه باسم ( جمعة ) او ( سبت ) تألم لذلك بلا شك.

اختيار الاسم :
من الحقوق الدينية للأولاد على الآباء أن يختاروا لهم أسماء جميلة غير مستهجنة. وقد ورد الحث على هذا في الروايات كثيراً :
1 ـ قال النبي صلّى الله عليه وآله : « من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه » (2).
2 ـ قال رجلٌ : يا رسول الله ما حق ابني هذا ؟ قال : « تحسن اسمه وأدبه ، وتضعه موضعاً حسناً » (3).
3 ـ في حديث آخر عن النبي صلّى الله عليه وآله : « من حق الولد على والده ثلاثة : يحسن اسمه ، ويعلمه الكتابة ، ويزوجه إذا بلغ » (4).
4 ـ عن أبي الحسن عليه السلام ، قال : « أول ما يبرّ الرجل ولده ، أن يسميه باسم حسن. فليحسن أحدكم اسم ولده » (5).
5 ـ في وصية النبي ( ص ) لعلي عليه السلام : « يا علي ، حق الولد على والده أن يحسن اسمه وأدبه » (6).
6 ـ وفي حديث آخر : « إن أول ما ينحِل أحدكم ولده : الاسم الحسن » (7).

تبديل الأسماء القبيحة :
إن الشقاء المتسبب من عقدة الحقارة لا يزول إلا بانحلال تلك العقدة حتى يتحرر الضمير الباطن من الضغط الذي يلاقيه. فالذي يحمل اسماً قبيحاً يشعر بالضعة بلا شك ، والعلاج الوحيد له تغيير ذلك الاسم. فإذا وفق لذلك زال الضغط النفسي لوحده.
لقد كان الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله يغير الأسماء المستهجنة للأفراد ، وكذا الاسم القبيح للبلد الذي طالما تألم المنتسب له ، وبهذه الطريقة كان يتحرر الأشخاص من العقدة التي يكابدون منها الأمرّين ، ويعيشون حياة ملؤها الارتياح والسكينة.
1 ـ عن الإمام الصادق عن أبيه عليهما السلام : « إن رسول الله كان يغير الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان » (8).
2 ـ عن ابن عمر : « أن إبنةً لعمر كان يقال لها عاصية ، فسماها رسول الله صلّى الله عليه وآله : جميلة » (9).
3 ـ عن أبي رافع : « إن زينب بنت أم سلمة كان اسمها برّة ، فقيل : تزكي نفسها فسماها رسول الله صلّى الله عليه وآله : زينب » (10).
ولقد كانت العادة جارية في القبائل العربية قبل ظهور الإسلام بتسمية اولادهم بأسماء الوحوش والجوارح ، وقد كانت هذه العادة البذيئة باقية بعد الإسلام أيضاً عند بعض القبائل. وفي حديث يسأل أحمد بن هيثم من الإمام الرضا عليه السلام عن سبب ذلك قائلاً : « قلت له : لِمَ تسمى العرب أولادهم بكلب وفهد ونمر وما أشبه ! ذلك ؟ قال : كانت العرب أصحاب حرب وكانت تهول على العدو بأسماء أولادهم » (11).
وبالرغم من أن تلك الأسماء المستهجنة كانت شايعة ومتداولة بينهم ، فإنها كانت في بعض الأحيان ذريعة قوية للطعن والتحقير في أصحابها ، فكان الواحد يلوم الآخر بسببها. من ذلك القضيتان الآتيتان : ـ

بين معاوية وجارية :
كان أحد رؤساء عشاير الشام يسمى بـ ( جارية ) (12) وكان رجلا قوياً صريح اللهجة ، وكان يبطن لمعاوية حقداً وعداءً ، وسمع معاوية بذلك فأراد أن يحتقره أمام ملأ من الناس ويتخذ اسمه وسيلة للاستهزاء به والسخرية منه ، وصادف ان التقيا في بعض المجالس فقال له معاوية :
ـ ما كان أهونك على قومك أن سموك جارية ؟
فقل له جارية : وما كان أهونك على قومك إذ سموك معاوية ، وهي الانثى من الكلاب.
قال : اسكت لا ام لك !
قال : لي أم ولدتني. أما والله إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا ، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا ، وإنك لم تهلكنا قسوة ، ولم تملكنا عنوة... ولكنه أعطيتنا عهداً وميثاقاً ، وأعطيناك سمعاً وطاعة ، فإن وفيت لنا وفينا لك ، وإن نزعت الى غير ذلك فإنا تركنا وراءنا رجالاً شداداً وأسنة حداداً.
فقال معاوية : لا اكثر الله في الناس مثلك يا جارية (13).

قبح الاسم والمنظر :
وكان شريك بن الأعور سيداً في قومه وكبيراً عليهم ، عاصر معاوية... وفي أحد الأيام دخل مجلس معاوية فأراد هذا أن يحتقره ويسخر به لقبح اسمه واسم أبيه وللنقص الذي فيه فقال له :
ـ والله إنك لشريك وليس لله من شريك ، وأنك ابن الأعور والصحيح خير من الأعور ، وإنك لدميم والوسيم خير من الدميم ، فبِمَ سوّدك قومك ؟ !
فقال له شريك : والله إنك لمعاوية وليست معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت فسميت معاوية ، وإنك ابن حرب السلم خير من الحرب ، وإنك ابن صخر والسهل خير من الصخر ، وإنك ابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت فسميت أمية ، فكيف صرت أمير المؤمنين ؟
فقال له معاوية : أقسمت عليك إلا ما خرجت عني (14).
ولهاتين القضيتين نظائر وقعت في الماضي والحاضر. فكما أن الهندام غير المتزن ، والاعضاء الناقصة ، والمنظر الكريه سبب للشعور بالحقارة ، ويؤدي ذلك غالباً الى نشوء عقدة نفسية ، كذلك الاسم القبيح واللقب الكريه ، والنسبة المستهجنة فإن ذلك كله يدعو الى نشوء عقدة الحقارة. ولو فرضنا أن 99% من أفراد المجتمع كانوا خليقين متزنين لا يجرحون عواطف هؤلاء ولا يحتقرونهم ، فإن الـ 1% الباقية لم تربّ تربية حسنة تكفي في إيذائهم بالاستهزاء والاهانة.

العيوب غير القابلة للعلاج :
عندما يتولد الطفل على أساس قوانين الخلقة ذا عاهة غير قابلة للعلاج فإن مصيبة الحقارة قطعية بالنسبة اليه ولا يمكن التخلص منها. هذا الطفل لا بدّ له من تحمل الألم الداخلي مدى العمر ، وليس للآباء والأمهات في هذه الحالات الصبر والتحمل. إذ أن رفع هذه العاهات والنقائص الطبيعية ليس بيدهم ، في حين أن انتخاب الاسم الحسن في مقدورهم ، وهو من حقوق الأولاد الواجبة على الأباء. إنهم يتمكنون من القيام بواجبهم على خير وجه في تسمية أطفالهم ، وباستطاعتهم إجتباء إءًّ لأطفالهم لا تصير سبباً للحقارة والضعة مدى العمر.
إن الطفل الذي يستهزأ به من قبل سائر الأطفال لاسمه المستهجن أو لانتسابه الى عشيرة ذات اسم قبيح يخسر نشاطه ويسير دوماً الى اضمحلال وانهيار ، فيتجنب من الألعاب الجماعية للأطفال ، ويخاف من معاشرتهم ، ويخفي نفسه قدر المستطاع في ساحة المدرسة ، ويقف في صف التلاميذ وقفة لا يراه معها مدير المدرسة أو المشرف حذراً من أن ينادى باسمه من بين الأطفال وتتجدد عليه الكارثة.
« تشمل عقدة الحقارة جميع المظاهر التي ظهر بها عدم الاعتماد على النفس ، والشعور بضعف الشخصية ، وعدم الكفاءة ، وفقدان الارادة. إن الطفل الذي يبتلى بالشعور بالحقارة عندما يشب يلزم سيرة الوحدة والانزواء أو لا أقل من أن يوجد عنده الشعور بالغربة والابتعاد عن أقرانه ، لأن الوقائع والحوادث في دور الطفولة أفهمته أن الألفة والاجتماع مع الغير هو الذي جلب له السخرية والانتفاد. إن الذي يتجنب أقاربه وأترابه يقودنا الى أنه معذّب من الشعور بحقارة وجدت فيه من تجاربه في الطفولة. ولهذا ـ وبناء على قواعد علم النفس ـ فإن كل حادثة تضعف أو تعدم عزة النفس عند الإنسان ، وتقلّل من طموحه عامل مهم لتوسعة ( عقدة الحقارة ) وتقويتها ووسيلة لجعله بين الأعضاء المختلين وضعاف النفوس في المجتمع » (15).

تخليد الاسماء العظماء :
من الأسماء المحبذة والمرغوبة في الشرق أسماء وألقاب الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام. إن أذواق الملايين من المسلمين وطباعهم تستلطف الأسماء التالية : محمد ، أحمد ، محمود ، مصطفى ، علي ، مرتضى ، حسن ، حسين ، كاظم ، رضا... وأمثالها ، ومن كان قد سمي باسم من هذه الأسماء لم يشعر في نفسه بالحقارة والتعاسة ، ولم يأب من أن يعرّف نفسه به.
لقد اوصى أئمة الإسلام أتباعهم بتسمية أولادهم بأسماء القادة الإلهيين العظماء ففي الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام : « إن النبي صلّى الله عليه وآله قال : من ولُد له أربعة أولاد ولم يسمّ أحدهم باسمي فقد جفاني »(16).
إن إيحاء أسماء الرجال العظماء أمر يهتم به الشرق والغرب ، وتحاول الحكومات استخدام جميع الوسائل لذلك ، فتسمى الاكتشافات والاختراعات العلمية والفنية باسم المكتشف والمخترع كي يبقى هذا الاسم خالداً على مر الأجيال ، يتلفظ الأساتذة والطلبة والمهندسون والعمال الفنويون آلاف المرات يومياً بأسمائهم في الجامعات والمختبرات والمؤسسات الصناعية في العالم.
لقد سميت بعض المدن الكبيرة باسم الرجال العظماء في قسم من الدول كما سميت الساحات والشوارع باسم الشخصيات البارزة في تلك البلدة. وفي إيران سميّت ساحات وشوارع عديدة باسم : حافظ ، سعدي ، خيام ، فردوسي ، أبو علي ، أبو ريحان ، وغيرهم ، وبهذه الطريقة خلّدوا اسماءهم.
ومن وسائل تخليد اسم النبي العظيم والأئمة عليهم السلام تسمية المسلمين أولادهم بأسمائهم. فالآباء والأمهات الذين يهتمون بهذا الأمر ويسمّون أطالهم بأسماء القادة الإلهيين قد أدّوا حق أولادهم في انتخاب الاسم الحسن لهم ، وحفظهم بذلك من الاحساس بالحقارة... هذا من جانب ومن الجانب الآخر يكونون قد أظهروا بذلك ولاءهم لقادتهم ، ويستحقون الأجر بذلك من الله بلا ريب. وقد ورد في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام يسأل الراوي فيه : « إنا نسمي بأسمائكم وأسماء أبائكم ، فينفعنا ذلك ؟ فقال : إي والله » .

الكنية :
لم تكن قيمة الكنية الجميلة فيما مضى ـ والاسم الجميل للعشيرة في عصرنا ـ أقل من قيمة الاسم الجميل ، فكم من أفراد يحملون أسماء حسنة ولكنهم انتخبوا اللقب العائلي غريباً ، نراهم غير مرتاحين. تقد اتخذ بعض الأشخاص لقباً سيئاً لنفسه من دون روية ، فجاء أولاده بعد سنين طويلة متأثرين لسوء اختيار والدهم ، شاعرين الحقارة عند ذكر تلك الكلمة. لقد أردف في بعض الروايات ضرورة تحسين اسم الطفل. بضرورة تحسين كنيته أيضاً. فعن فقه الرضا عليه السلام : « سمّه بأحسن الأسماء ، وكنّه بأحسن الكنى » (17).
وعند استعراضنا لبعض النصوص نجد قادة الإسلام يتأثرون من سماع الكنى القبيحة التي يتخذها بعض الأشخاص لأنفسهم ، وينبهون في بعض الأحيان على ذلك حفظاً لكانة أصحابها.
« عن زرارة قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إن رجلاً كان يغشى علي بن الحسين عليه السلام وكان يكنى : أبا مرّة. فكان إذا جئت إلى بابنا فلا تقولن أبا مرة (18). لأن ( ابا مرة ) كنية الشيطان ، فمن اختار لنفسه هذه الكنية عرف نفسه بأنه متصف بصفة الشيطان ، ونيّته كنيته ، ولسوء اختياره هذا جعل نفسه معرضاً لتحقير الآخرين وإهانتهم.

الأثر النفسي للاسم واللقب :
واللقب أيضاً مثل الاسم والعائلي ، يعرّف صاحبه. وهو ذو أثر نفسي فعال ، فإن كان قبيحاً صار سبباً للشعور بالحقارة وطالما حمل صاحبه ـ كالاسم واسم العائلة القبيحين ـ على الضجر والسأم.
لقد كان المواطنون فيما سبق يهتمون باللقب. وكانت الألقاب عندهم معروفة للمكانة والمنزلة الاجتماعية للأفراد ، فكان لكل من الرجال العظماء في العلم أو السياسة ، والشخصيات العسكرية أو المدنية لقب مخصوص يتناسب ومنصبه ومنزلته.
وعلى رغم الاختلاف الكبير بين مجتمعنا الحالي والأوضاع السابقة في موضوع الألقاب وفقدان كثير منها قيمتها السابقة ، فإنه توجد القاب في مجتمعنا يسبب بعضها الفخر والعظمة لصاحبه ، ويورث بعضها الألم الروحي والشعور بالحقارة له. ثم إن لبعض الألقاب جهة عمومية فإنه يتبع الشغل أو الرتبة أو المقام ، ومن كان حائزاً على الشروط المطلوبة نودي بذلك اللقب... كما أن بعض الألقاب يختارها الشخص لنفسه ولأولاده كما يختار الاسم ، ثم بشهرته شيئاً فشيئاً في المجتمع.
وربما تقع قضايا وحوادث طيبة أو سيئة للأشخاص في أيام عمرهم فتترك أثراً حسناً أو قبيحاً في الأذهان ، ثم يلخص الناس ذلك الأثر في كلمة أو جملة ويجعلونها لقباً لصاحبه. ومن هذا القبيل ما نلاحظه في قصة عبيد الله بن الزبير ، حيث كان والياً على المدينة من قبل أخيه عبدالله ، وقد شغل المنصب المعهود به اليه بكل سيطرة وكفاءة... وفي يوم من الأيام اخطأ في كلامه أمام جمع غفير من الناس وهو على المنبر ، فبينما كان يعظ الناس تطرق لقصة ناقة صالح وظلم قومه لها ، فقال لهم : قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة قيمتها خمسة دراهم ، فسميّ ( مقوم الناقة ) (19).
لقد كانت الموعظة بذاتها صحيحة إلا أن تقويمه للناقة كان خطأ ، فلقبه الناس بـ ( مقوم الناقة ) ، وشاع هذا اللقب ، ولهج به الناس ، وأورد نقصاً عظيماً في شخصيته ، فخلعه عبدالله بن الزبير ، ووليّ مكانه مصعباً.
في هذا المثال نجد أن والي المدينة يسقط عن أنظار الناس على أثر سبق لسان بسيط ، ولقبه الناس بمقوّم الناقة مستهزئين به وذاكرين ذلك في كل منتدى ومجلس.
إن الوالي الذي يتعرض لتحقير الناس وإهانتهم ، ويشعر في نفسه بالحقارة لا يتمكن من ممارسة السلطة والحكم مهما كان ذا سطوة وقوة.

الألقاب المحتقرة :
في المجتمعات المختلفة أناس كثيرون اتخذوا لأنفسهم القاباً قبيحة بسوء اختيارهم ، أو أن سلوكهم المنحرف طيلة الحياة هو الذي أوحى للناس بتلقيبهم بلقب قبيح... وتكون النتيجة أن يعيش هؤلاء حياة ملؤها التعاسة والشقاء والحقارة.
وفي مجتمعنا الحاضر توجد بين الطبقات المختلفة القاب كثيرة من هذا القبيل. وها أنذا أتكلم اليكم وببالي أمثله منها بحيث لو نطقت بكلمة واحدة انتقلت أذهان المستمعين فوراً الى شخص معين ، لكن القوانين الإسلامية لا تسمح لي بذكر شيء منها وإن كان ذلك على سبيل الشاهد...

الحذرعن تحقير الناس :
لقد نهى الإسلام عن ذكر الناس باسم أو لقب يشينهم ويكون سبباً لاهانتهم وتحقيرهم وقد حذرت التعاليم الإسلامية الناس عن هذا العمل المنكر الذي يبعث البغضاء والحقد في المجتمع. قال الله تعالى : « ولا تَنابَزوا بالألقاب ».
لقد ذكر في مجلس الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام شاعر ، فذكره أحد الحاضرين بكنيته ، فقال له الإمام عليه السلام : « هات اسمه ودَعْ عنك هذا. إن الله عز وجل يقول : لا تنابزوا بالألقاب ، ولعل الرجل يكره هذا » (20).
وفي الحديث : « حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب اسمائه » (21).
يجب على عامة المسلمين أن يجتنبوا عن ذكر اسماء وألقاب تسبب انزعاجاً وإيلاماً لأصحابها ، وألا يدعوهم بتلك الأسماء والألقاب كيلا يوجب ذلك التأثر والتألم فيهم. ولكن كثيراً من الناس لا يراعون هذا الواجب المقدس. فبعضهم لسوء خلقه وعدم العناية بواجباته ، وبعضهم لعدم فهمه وقصور إدراكه يذكر الناس بأسماء والقاب قبيحة ، فيحتقرهم بعمله السيء هذا.
كان في أوائل القرن الثالث الهجري رجل في العراق يكنى بـ ( أبي حفص ) ، ولبعض أعماله لقبه الناس بـ ( اللوطي ) فكانا يحقّرونه بهذا اللقب في غيابه. ولقد أدّت شهرته هذه بين الناس الى تأثره الشديد ، وأوردت على شخصيته نقصاً غير قابل للتدارك فتمرض جار له ، فعاده أبو حفص والمريض في غاية الضعف. فسأله أبو حفص عن صحته ، وقال له : أعرفني ؟ فأجاب المريض بصوت خافت جداً : ولم لا أعرفك ؟ أنت أبو حفص اللوطي ، فدهش أبو حفص من هذا اللقب ومصارحة المريض به ، فقال له : لقد جاوزت حد المعرفة ، أرجو أن لا تقوم من مرضك هذا أبداً... ثم قام من عنده وخرج (22).

السمعة السيئة والحرمان :
ما أكثر الرجال العلماء والمثقفين الذين كانت لهم الكفاءة لتسنّم مناصب عالية في الدولة ، والحصول على مقامات شامخة في المجتمع لكنهم فقدوا جميع قيمهم الاجتماعية على أثر لقب قبيح أو شهرة سيئة ، وأخذ الناس ينظرون اليهم بنظر الانتقاص والاحتقار... وبالتالي لم يستفيدوا من المواهب التي كانت تميزهم ، بل لم يستطيعوا الاستمرار في الحياة كأفراد اعتياديين فهؤلاء يكابدون الضغط الروحي دائماً ويقضون حياتهم في حرمان وشعور بالحقارة والدناءة.
وكمثل على ذلك نذكر ما جرى لابن النديم بهذا الصدد. فقد كان اسحاق بن ابراهيم المعروف بابن النديم من العلماء الذين قلّ نظراؤهم في عصره ، وكان قد اجهد نفسه في علوم كثيرة كالكلام والفقه والنحو والتاريخ واللغة والشعر ، وبرع في جميع ذلك براعة تامة. وكان عملاقاً عظيماً في المناظرات العلمية ، وكثيراً ما كان يتغلب على فضلاء عصره. وله في مختلف العلوم ما يقرب من أربعين مجلداً ، وآثاره المهمة باقية حتى اليوم.
كان ابن النديم ذا صوت جميل ، ورغبة شديدة في الغناء. وكثيراً ما كان يشترك في مجالس طرب الخلفاء ورجال الدولة ، ويؤنس الحاضرين بغنائه المطرب ، ويجذب قلوبهم نحوه... ولاستمراره في هذا العمل ضؤلت قيمة ثقافته العلمية شيئاً فشيئاً بالنسبة الى غنائه حتى عرف في المجتمع بهذه الصفة ولقبه الناس بـ ( المغنّي ) و( المطرب ).
لقد أوردت هذه الشهرة ضربة قاصمة على شخصيته ، ولم يتمكن فيما بعد أن يعدّ نفسه في المجمع كرجل عالم مطلع ، وأن يظهر كفاءته العلمية... وبالرغم من قربه لدى الخلفاء والشخصيات فإنهم لم يعهدوا اليه بمهمة أو عمل خطير في الدولة ، وذلك حذراً من اضطراب الرأي العام ، .
وبهذا الصدد كان المأمون العباسي يقول : لو لم يكن يشتهر ابن النديم بالطرب والغناء لولّيته القضاء ، لأنه يفوق جميع قضاة الدولة الموجودين من حيث الفضل والعلم ، واكثرهم استحقاقاً لهذا المنصب (23) .
نستنتج مما تقدم أن الاسم المستهجن ، أو اسم العائلة القبيح أو اللقب الشنيع ، أو الشهرة السيئة تسبب الشعور بالحقارة ، وتأزم عقدة الحقارة ، مما يؤدي الى تنغص الحياة على الانسان.
إن الشعور بالحقارة المنبعث من الاسم القبيح يلازم الطفل من أولى أدوار حياته. ومن الحقوق الدينية للأولاد على أوليائهم انتخاب الاسم واللقب الحسنين للطفل. على الآباء والأمهات المسلمين الإهتمام بهذا الواجب بأن يؤدوا حقوق الأولاد على أحسن ما يرام ، ويختاروا لأولادهم الأسماء والألقاب المناسبة الجميلة ، والا يكونوا سبباً ـ من غير ضرورة ـ لشعورهم بالحقارة والخسة والضعة طيلة ايام عمرهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج6/91.
( 2 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري.
( 3 ) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 114.
( 4 ) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5/115.
( 5 ) الكافي لثقة الإسلام الكليني ج6/18.
( 6 ) بحار الأنوار للعلامة المجلسي.
( 7 ) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5 ك115.
( 8 ) قرب الاسناد 45.
( 9 ) صحيح مسلم ج6/173.
( 10 ) نفس المصدر.
( 11 ) وسائل الشيعة للحر العاملي ج5/115.
( 12 ) من معاني ( جارية ) : الحية من جنس الأفعى كما في ( اقرب الموارد ).
( 13 ) المستطرف في كل فن مستظرف للابشيهي ج1/58.
( 14 ) ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ج1/59.
( 15 ) عقده حقارت ص 6.
( 16 ) بحار الانوار للعلامة المجلسي ج23/122.
( 17 ) مستدرك المسائل للمحدث النوري ج2/618.
( 18 ) الكافي لثقة الاسلام الكليني ج6/21.
( 19 ) الكامل لابن الأثير ج4/87.
( 20 ) وسائل الشيعة الحر العاملي ج5/116.
( 21 ) مجمع البحرين ـ مادة نبز.
( 22 ) قاموس دهخدا الفارسي ص 2225.
(

زهرة الاحساء
06-24-2007, 08:17 PM
مشكور اخي الحكيم على الموضوع الرائع والجميل

لقد اسعدت وانا اقراء الموضوع جدا

بارك الله فيك

الحكيم جاهل
07-07-2007, 02:59 AM
http://www.4rsan.org/imgcache/4878.imgcache (http://www.0sss0.com/up/)

ريماسه
08-08-2007, 02:22 AM
موضووع رائع

يعطيك العافيه

وبانتظار جديدك